علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

271

نسمات الأسحار

القلب والمنقلب ، وأمراض النفس ودسائسها ، وقطع عروق وساوسها ، نبهنا اللّه من سنة الغفلة ، وجعلنا ممن يصدق فعله قوله بمنه وكرمه ، فقد رقمت هذه الدعوات وقت السحر حين نادى جل وعلا من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ، ومثال هذه العلماء كما قال الغزالي رحمه اللّه في إحيائه حيث قال : فمثال من يعرض عن علم الأعمال ، ويشتغل بالجدال مثال رجل مريض به علل كثيرة وقد صادف طبيبا حاذقا في وقت ضيق يخشى فواته ، فاشتغل بالسؤال عن خاصية العقاقير والأدوية وغرائب الطب ، وترك مهمة الذي هو مؤاخذ به ، وذلك محض السفه . وقد روى أن رجلا جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له : « علمني من غرائب العلم ، فقال له : ما صنعت في رأس العلم ؟ قال : وما رأس العلم ؟ قال : هل عرفت الرب سبحانه وتعالى ؟ قال : نعم ، قال : وما صنعت في حقه ؟ قال : ما شاء اللّه ، قال صلى اللّه عليه وسلم : هل عرفت الموت ؟ قال : نعم ، قال : فما أعددت له ؟ قال : ما شاء اللّه ، قال صلى اللّه عليه وسلم : اذهب فأحكم ما هنالك ثم تعالى نعلمك غرائب العلم » « 1 » . وعلامة العلماء باللّه وللّه طلب العلم الموصل إلى اللّه تعالى من العلم به وملائكته وكتبه ورسله ، وما يقرب إلى ذلك ، ولا يحتقر شيئا من العلوم الشرعية كاللغة والنحو المتوسل بهما إلى تصحيح كتاب اللّه تعالى ، وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وفهم معانيهما ، واستنباط الأحكام منها ، ولكن العمر قصير فابدأ بالأهم فالأهم والأهم إليك النجاة بنفسك ، فابدأ بما يصلحها ، ويدلك على هذا أن كل أحد في العتمة سوى سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم يقول : نفسي نفسي ، فابدأ بنفسك ثم بمن تعول ، فإن بدأت بما ينفع الناس ، وتركت نفسك فإنهم لن يغنوا عنك من اللّه شيئا ، واقتد في التعلم بحاتم الأصم رحمه اللّه ، فقد روى عنه أنه قال شيخه شقيق : منذ كم صحبتنى ؟ فقال حاتم : منذ ثلاث وثلاثين سنة ، فقال : فما تعلمت منى في هذه المدة ؟ قال : ثمان مسائل ، قال : إنا للّه وإنا إليه راجعون ذهب عمرى معك ، ولم تتعلم إلا ثمان مسائل قال : يا أستاذ لم أتعلم غيرها ، ولا أحب أن أكذب ، فقال له : هات الثمان مسائل حتى أسمعها ، قال حاتم : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل

--> ( 1 ) أورده الزبيدي في إتحاف السادة ( 1 / 379 ) ، وأبو حنيفة في جامع المسانيد ( 3 / 16 ) .